
لا يمكن للمنظومة الصحية في موريتانيا أن تبلغ المستوى المأمول ما دامت الموارد المخصصة لهذا القطاع الحيوي محدودة، في وقت تتزايد فيه حاجات السكان إلى خدمات صحية أكثر جودة وتطورا. فالصحة، مثلها مثل التعليم، تشكل أحد أعمدة التنمية البشرية، ولا يمكن لأي بلد أن يحقق نهضة حقيقية دون نظام صحي قادر على حماية المواطنين وتوفير الرعاية اللازمة لهم.
تشير المعطيات المتداولة إلى أن ميزانية قطاع الصحة في موريتانيا لا تتجاوز نحو 5 في المائة من الميزانية العامة، وما يقارب 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه النسبة تبقى بعيدة عن المستوى الذي أوصت به إعلان أبوجا، الذي دعا الدول الإفريقية إلى تخصيص 15 في المائة من ميزانياتها العامة لقطاع الصحة. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا المستوى المحدود من التمويل إلى صعوبات في تطوير البنية التحتية الصحية واقتناء التجهيزات الطبية وتحسين ظروف عمل الطواقم الصحية.
غير أن التمويل، رغم أهميته، ليس العامل الوحيد المحدد لجودة المنظومة الصحية. فبعض الدول تمكنت من تحقيق نتائج أفضل رغم أن مستوى الإنفاق الصحي فيها لا يزال دون المعايير المثالية. فالمغرب، على سبيل المثال، يخصص حوالي 6 في المائة من ميزانيته العامة لقطاع الصحة، وهي نسبة لا تزال متواضعة مقارنة بالمستويات المعتمدة في العديد من الدول المتقدمة، ومع ذلك فإن جودة خدماته الصحية تبقى أعلى نسبيا. وهذا ما يطرح مسألة أساسية تتعلق بكفاءة التسيير والحوكمة داخل المنظومة الصحية.
وفي المقابل، يلاحظ أن قطاع التعليم في موريتانيا يحظى بنحو 19 في المائة من الميزانية العامة، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى أهمية التعليم في بناء الإنسان وتنمية المجتمع. غير أن تحقيق تنمية متوازنة يتطلب إيلاء عناية مماثلة لقطاع الصحة، باعتباره شريكا أساسيا في بناء رأس المال البشري.
ومن بين العوائق البنيوية التي تحد من تطوير المستشفيات الوطنية أنها لاتزال تعمل في إطار مؤسسات ذات طابع إداري مستقل دون أن تتمتع باستقلالية مالية حقيقية. وهذا الوضع يفرض على إدارات المستشفيات المرور بإجراءات بيروقراطية معقدة عند اقتناء المعدات الطبية أو تطوير الخدمات أو التعاقد مع الكفاءات، حيث يتعين الرجوع إلى الوزارة الوصية ولجان الصفقات العمومية، وهو ما يؤدي غالبا إلى بطء في اتخاذ القرار ويحد من قدرة هذه المؤسسات على الاستجابة السريعة لاحتياجاتها.
في المقابل، اختارت العديد من الدول التي نجحت في تطوير منظوماتها الصحية منح المستشفيات استقلالية مالية وإدارية أوسع. فهذه الاستقلالية تمكن المؤسسات الصحية من اقتناء التجهيزات الضرورية في الوقت المناسب، واستقطاب الكفاءات الطبية المتخصصة، وتطوير خدماتها وفق متطلبات المرضى. كما تسهم في خلق نوع من التنافس الإيجابي بين المستشفيات، حيث تصبح جودة الخدمة عاملا أساسيا في جذب المرضى وتعزيز موارد المؤسسة.
ولا يقل دور نظام التأمين الصحي أهمية في هذا السياق. فتعزيز دور هيئات التأمين الصحي وتوسيع التغطية الصحية يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتحسين أداء المؤسسات الصحية. فالتأمين الصحي الشامل لا يخفف فقط العبء المالي عن المواطنين، بل يسهم أيضا في تحسين جودة الخدمات من خلال ربط التمويل بمستوى الأداء والخدمات المقدمة.
إن إصلاح المنظومة الصحية في موريتانيا يمر عبر مقاربة شاملة تجمع بين زيادة الموارد المالية وتحسين أساليب التسيير. ومن بين الخطوات الضرورية في هذا الاتجاه رفع ميزانية قطاع الصحة تدريجيا، ومنح المستشفيات استقلالية مالية أكبر، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز نظام التأمين الصحي، إلى جانب الاستثمار في تكوين الكوادر الطبية وتحسين ظروف عملها.
فالصحة ليست مجرد قطاع خدمي، بل هي استثمار استراتيجي في مستقبل المجتمع. وكل إصلاح جاد في هذا المجال سيكون له أثر مباشر على جودة حياة المواطنين وعلى قدرة البلاد على تحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة.
بقلم: أخصائي الجهاز الهضمي الدكتور أحمد ولد ميمين



