هل تنجح موريتانيا في بناء منظومة رقمية متكاملة؟

تحتضن نواكشوط، من 25 إلى 29 سبتمبر الجاري، النسخة الثانية من مارتون التكنولوجيا المالية الموريتاني، تحت شعار “النساء والابتكار والتمويل في فضاء منظمة التعاون الإسلامي”، بمشاركة رواد أعمال وخبراء ومؤسسات مالية وهيئات تنظيمية وصنّاع قرار، في امتداد نسخة أولى استقطبت نحو 150 مشروعاً.
ما بعد المارتون: التحدي الحقيقي
بعد أيام من النشاط المكثّف وتحوّل الأفكار إلى نماذج أولية، تبدأ المرحلة الأصعب: إيجاد أول عميل، ومواصلة البناء، وفهم التنظيمات، ولقاء المستثمرين، وتحويل النموذج الأولي إلى مؤسسة قائمة. لذلك، لم يعد الرهان يقتصر على تنظيم حدث أفضل، بل على بناء ما يأتي بعده، وهو ما بدأت موريتانيا توفّر له لبنات جديدة.
مؤشرات على تحوّل حقيقي
أبرزها الإطار المؤسسي، إذ أرسى قانون الشركات الناشئة الموريتاني (القانون رقم 2024-002) قاعدة قانونية تشجع ظهور شركات ذات قيمة مضافة عالية. وإلى جانبه تتعدد المبادرات لتقريب الابتكار من الاحتياجات الفعلية، كما ظهرت برامج جديدة تدعو شركات ناشئة للعمل على إشكاليات حددتها إدارات عمومية.
وفي مجال المالية، يعمل البنك المركزي الموريتاني عبر PAFIID على هيكلة مقاربة للابتكار المالي، فيما بات معهد المؤسسين له فرع في موريتانيا، وأصبح مختبر “نواكشوط للابتكار” الشريك الموريتاني لـكأس العالم للشركات الناشئة، مما يتيح للشركة الناشئة التي وقعها اختيارها التنافس وصولاً إلى سان فرانسيسكو.
النساء والابتكار والتمويل
يتفق البعض أن النساء موجودات أصلاً في صميم الحياة الاقتصادية: يتاجرن، ويدّخرن، ويحوّلن الأموال، ويموّلن الأسر، أحياناً خارج القنوات الرسمية. والسؤال الأعمق: ماذا يحدث عندما يبدأ الابتكار المالي في مراقبة هذه السلوكيات والبناء عليها؟ هنا يمكن للتكنولوجيا والشمول أن ينتجا حلولاً للدفع والادّخار والتمويل والتأمين مبنية على الاستخدامات الفعلية ومستويات الدخل وآليات الثقة، وهي حلول تخص النساء بوضوح دون أن تقتصر عليهن.
عنصر هام من الاقتصاد
ظلّت المقاولاتية التكنولوجية تُنظر إليها في كثير من الأسواق الإفريقية الصغيرة كأنشطة هامشية، لكنها تستوجب اليوم التعامل معها كعنصر من عناصر الاقتصاد الحقيقي. وهذا يغيّر مؤشرات النجاح: فعدد المشاركين يبقى مهماً، لكن الأهم هو كم شركة لا تزال قائمة بعد عامين؟ وكم وقّعت عقدها الأول؟ وكم اختبرت حلولها مع مؤسسة كبرى؟ وكم وصلت إلى سوق خارجي؟
موريتانيا ليست مضطرة لتكرار مسار الآخرين
لا تحتاج المنظومة إلى أن يتحول كل فاعل إلى حاضنة، بل تعمل لأن لكل طرف رافعة مختلفة. والمرحلة المقبلة لا تتطلب بالضرورة إنشاء هياكل إضافية، بل ربط الموجود منها بشكل أفضل.
الامر لا يقتضي بناء منظومة ناشئة انتظار النضج للاتصال بالشبكات الدولية، إذ يمكن البناء لبنة لبنة دون إعادة إنتاج ترتيب المنظومات السابقة. فبإمكان رائد أعمال موريتاني اليوم العمل مع مرشد في الخارج، وإيجاد عميل في بلد آخر، ولقاء مستثمر في داكار أو أبيدجان، وربما متابعة مسار من نواكشوط إلى سان فرانسيسكو.
الاختبار الفعلي
النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد المشاريع المتميزة فقط، بل سيبدأ الاختبار الفعلي بعد انطفاء أضواء المنتدى: هل سيوافق بنك على اختبار حل وُلد خلال الهاكاثون؟ وهل ستصبح شركة أول عميل لفريق؟ وهل سيكتب مستثمر أول شيك؟ وهل سيصل رائد أعمال موريتاني إلى شبكة كان يظنها بعيدة المنال؟ عندها فقط، يمكن القول إن شيئاً ما تغيّر فعلاً.
وبحكم انه لا طالمت تحدث الجميع عن ضرورة بناء منظومة مقاولاتية في موريتانيا التي بدا بالاعتراف بأنها بدأت تظهر فعلاً رغم إنها لا تزال فتية وناقصة، لكن لبناتها الأولى باتت متوفرة. الأمر الذي يعني أن المرحلة المقبلة ليست الاحتفال بها، بل تشغيلها فعلاً.



